محمد راغب الطباخ الحلبي
60
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ورئيس الأطباء العالم الذكي المشتهر بابن المكي . ثم انتقل من تلك العامرة ماشيا إلى القاهرة واشتغل فيها على العالم الجليل المقدار الشيخ المشتهر بابن عبد الغفار وأخذ منه الحكميات وعلوم الرياضيات وسائر العلوم العقلية قاطبة بالدروس الراتبة . وأخذ الحديث وسائر علوم الدين عن القاضي زكريا شيخ المفسرين فأصبح وهو لناصية العلوم آخذ وحكمه في ممالك الفنون نافذ . وتنقلت به الأحوال وتأخرت عنه الأمثال ، وفاق على الأقران وسار بذكره الركبان . ولما كانت فضائله ظاهرة عند سلطان القاهرة أحب رؤيته واستدعاه ورفع منزلته وأكرم مثواه ، ثم جعله معلما لابنه ومربيا لغصنه . ولما وقع بين مخدومه وبين سلطان الروم من المنافسة حضر الوقعة المعروفة من جانب الجراكسة ، فلما التقى الجمعان وتراءت الفئتان وتقدم الأبطال وتهمهم الرجال وهجم ليوث الأروام وأسود الآجام على ذئاب الأعادي وثعالب البوادي وكتبوا بأقلام السمر أحاديث الجرح والسقام ، وأوصلوا إليهم أخبار الموت برسل السهام ، وأرسلوا عليهم شواظا من نار ، وأحلوا أكثرهم دار البوار ، وأخذ الصواعق والبروق في اللمعان والشروق ، وأمطر عليهم السماء الحديد والحجارة ، وضيق عليهم هذه الدارة ، وسالت بدمائهم الأباطح ، وشبعت من لحومهم الجوارح ، لم يثبت الجراكسة إلا ساعة من النهار ، ثم بدّلوا الفرار من القرار ، وجعلوا أمام عسكر الروم يتواثبون ، وهم من ورائهم بهذا القول يتخاطبون . جعلنا ظهور القوم في الحرب أوجها * وقمنا بها ثغرا وعينا وحاجبا وقتل الغوري في المعركة ولم يعرف له قاتل ، وأسر ابنه والمولى المرحوم . ولما جيء بهما إلى السلطان سليم خان عفا عنهما وقابل جرمهما بالإحسان . ثم لما عاد إلى ديار الروم بعد فراغه من أمر مصر استصحب ابن الغوري والمولى المرحوم ، فاستوطن قسطنطينية وشرع في إشاعة المعارف وإذاعة النوادر واللطائف ، واشتغل عليه كثير من السادة وفازوا منه بالاستفادة ، وقد تشرفت برؤيته وتبركت بصحبته . توفي رحمه اللّه سنة إحدى وسبعين وتسعمائة .